الجفاف في الصومال.. أزمة غذائية تهدد ملايين الأرواح وتداعيات تمتد إلى الأجيال القادمة
الجفاف في الصومال.. أزمة غذائية تهدد ملايين الأرواح وتداعيات تمتد إلى الأجيال القادمة
في واحدة من أكثر مناطق القرن الإفريقي هشاشة، تتحول أزمة المناخ إلى كارثة إنسانية كبرى، إذ يواجه الصومال تفاقمًا حادًا في الجفاف الذي أعاد إلى الأذهان الكارثة الغذائية في 2022، ويهدد اليوم حياة ملايين السكان الذين يعتمدون أساسًا على الزراعة ورعي المواشي بوصفهما مصدراً رئيساً للمعيشة والأمن الغذائي، وقد حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيان من أن النزاع المسلح المتداخل مع موجات الجفاف المتكررة وأزمة التمويل الإنساني قد يدفع البلاد إلى مستويات مجاعة يمكن وصفها بأنها “كارثية” إذا لم تتوفر استجابة دولية عاجلة.
وفق تقييم صادر عن هيئة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي التابعة للأمم المتحدة، تضاعف عدد الصوماليين المصنفين في فئات “الأزمة أو الأسوأ” تقريبًا بين بداية 2025 وشهري فبراير ومارس 2026، ليصل إلى نحو 6.5 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويأتي هذا التدهور في ظل موسمين متتاليين من الأمطار غير الكافية، ما أضعف الإنتاج الزراعي بشكل كبير، وزاد من الضغط على مواطنين يعتمد أكثر من 60 في المئة منهم على تربية المواشي بوصفها مصدر دخل أساسياً بحسب بيانات هيئة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، تقييم فبراير/مارس 2026.
الجفاف والأزمة الغذائية
يعد الجفاف في الصومال نتيجة لتغيرات مناخية موسمية حادة أكثر من كونه ظاهرة عابرة، فقد أثرت الأمطار غير المنتظمة في قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، ما أدى إلى فشل المحاصيل الزراعية مرارًا وتكرارًا. وفي بلد يعتمد بشكل كبير على الزراعة وتربية المواشي، أدى هذا الانهيار المناخي إلى فقدان الأسر مصدر دخلها الأساسي، في حين تباطأ نمو الاستثمار في الزراعة بسبب تكرار الصدمات المناخية وفق تقارير المناخ والأمن الغذائي الدولية للفترة بين 2024–2026.
ومع فشل المواسم المطيرة في كل من 2024 و2025، تضررت الآلاف من قطعان الأبقار والإبل، وتقلّصت مصادر الحليب واللحوم، الأمر الذي دفع آلاف الأسر إلى النزوح بحثًا عن موارد المياه والمراعي، ما زاد من الضغط على مخيمات النازحين المكتظة بالفعل على امتداد الأرض الصومالية بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
تدهور سبل العيش وانهيار اقتصاد الرعي
تُظهر التقارير أن تربية المواشي التي تُعد العمود الفقري لاقتصاد الصومال باتت على حافة الانهيار بعد سنوات من الصدمات المناخية المتكرّرة، ما ترك الأسر بلا أي وسيلة رزق، وأدى إلى انخفاض حاد في الدخل. ويعتمد أكثر من 60 في المئة من الأسر الصومالية على هذا القطاع مباشرة أو غير مباشرة لضمان قوتهم اليومي.
وقد أشار محمد شيخ، المشرف على عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غلمدغ، إلى أن الجفاف والصراع المسلح معًا دفعا السكان إلى نزوح داخلي متزايد، إذ تتداخل الآثار المناخية مع الأزمات الأمنية لتشكل “مزيجًا قاتلاً” لسبل العيش والأمن الغذائي.
تراجع التمويل الإنساني
يتزامن هذا التدهور الإنساني مع انخفاض حاد في التمويل المخصص للعمل الإنساني في الصومال، حيث اضطرت العديد من المنظمات إلى خفض خدماتها أو إنهاء بعض برامجها بالكامل، ما يقلّل الدعم الغذائي والطبي والمائي المقدّم للسكان في وقت تتزايد فيه احتياجاتهم بشكل ملحوظ.
وحذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في فبراير الماضي من أنه سيضطر إلى وقف تقديم المساعدات بحلول أبريل 2026 في حال لم يتلق التمويل الضروري، ما يهدد بترك ملايين الأشخاص بدون دعم غذائي في واحدة من أخطر مراحل الأزمة.
يُعد هذا الانسحاب الجزئي للدعم نتيجة لضغوط التمويل العالمية وضعف التغطية المالية بموازنة العمل الإنساني لصومال، في وقت يشهد فيه العالم أزمات إنسانية متعددة، ما يُعقّد حالة الاستجابة ويضع البلاد في مأزق مزدوج من الاحتياج المتزايد ونقص الموارد.
تداعيات على الصحة والتعليم والبنية الاجتماعية
ليست الأزمة الغذائية وحدها ما يثير القلق، فهي تسهم في تدهور صحة السكان، خاصة الأطفال والنساء الحوامل، إذ يؤدي سوء التغذية إلى ضعف المناعة وزيادة معدلات الأمراض، ويقلّل فرص التحاق الأطفال بالمدارس بسبب اضطرار الأسر إلى كسب لقمة العيش بأساليب غير مستدامة وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.
كما أن فقدان سبل العيش يؤدي إلى انهيار الشبكات الاجتماعية التقليدية، ما يرفع من احتمالات الزواج المبكر للأطفال، وارتفاع معدلات الاستغلال الاقتصادي للأطفال في الأعمال الشاقة، في وقت تفتقر فيه الخدمات الأساسية إلى الدعم الكافي بحسب تقارير اليونيسف عن التعليم وسوء التغذية في الصومال (2025–2026).
ردود الفعل الحقوقية والأممية
أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلقها البالغ إزاء الوضع المتدهور في الصومال، معتبرة أن الجفاف المتواصل وانخفاض التمويل الإنساني يشكلان تهديدًا مباشرًا للحقوق الأساسية في الغذاء والماء والحياة الكريمة، وأكدت ضرورة تدخل عاجل لمنع وقوع مزيد من الوفيات والأذى الجسدي والنفسي بين السكان.
كما دعت منظمات حقوقية دولية، منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، المجتمع الدولي إلى التعجيل بزيادة التمويل والعمل الإنساني، وحذّرت من أن معاناة المدنيين العاديين، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن، ستتفاقم إذا لم تتوفر خطط إنقاذ طارئة.
ودعت منظمات حقوقية صومالية محلية المجتمعات الدولية للضغط على الجهات المانحة لتخصيص موارد كبرى لدعم الأسر المتضررة، ولفتت إلى أن ما يجري لا يعد مجرد أزمة غذائية، بل انتهاك لحق السكان في مستوى معيشي لائق يكفله القانون الدولي لحقوق الإنسان.
سجل من الأزمات المناخية
يعيد الجفاف الحالي الصومال إلى تجارب مريرة عاشها في السنوات الماضية، خاصة في 2011 و2022، حين أدّت موجات الجفاف المتتالية إلى مجاعات جزئية وأزمات إنسانية واسعة النطاق. وفي كل مرة، أدّى الفشل في الاستجابة الشاملة إلى تفاقم الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل الأزمة الحالية امتدادًا لسجل طويل من الصدمات المناخية والأمنية المتداخلة وفق تقارير الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر عن المجاعة في 2011 و2022.
وفي ظل استمرارية تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة في القرن الإفريقي، يرى الخبراء أن الصومال معرض بشكل متزايد لمثل هذه الحالات، ما يضع السكان أمام معضلة وجودية في حال عدم قيام استراتيجيات تنمية مستدامة طويلة المدى بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
خيارات الاستجابة والتحديات المستقبلية
تشمل الاستجابة العاجلة المقترحة تعزيز برامج المساعدات الغذائية الطارئة، وتوسيع شبكات المياه النظيفة، وتقديم الدعم المالي للأسر المتضررة، إلى جانب الاستثمار في الزراعة المقاومة للجفاف وتنمية موارد المياه على المدى المتوسط والبعيد.
ومع ذلك، تواجه الاستجابة الإنسانية تحديات مرتبطة بنقص التمويل، وعدم الاستقرار الأمني، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق النائية، ما يُعقّد جهود المنظمات الإنسانية ويُبطئ إصدار خطط شاملة لمعالجة الأزمة.
في ظل تفاقم الجفاف وتراجع الدعم المالي، يعيش ملايين الصوماليين على حافة المجاعة، وقد تُسجّل أعداد وفيات كبرى إذا لم تتحرك الدول والمنظمات الدولية بسرعة لتجنّب وقوع مزيد من الخسائر البشرية والاجتماعية. وتُظهر الأزمة المدى الذي يمكن أن تصل إليه هشاشة سبل العيش في مواجهة الصدمات المناخية المتكررة، ما يستدعي تجنيد جهود عالمية لإنقاذ الأرواح واستعادة الأمن الغذائي في الصومال وفق تقرير لجنة الأمم المتحدة المشتركة لتنسيق الاستجابة الإنسانية في الصومال لعام 2026.











